المبشر بن فاتك

288

مختار الحكم ومحاسن الكلم

في ذلك الوقت الفضيلة التي يقودهم إليها تعليمه ، وإنما يجدون ألم الرياضة لها . ولمّا « 1 » فرغ من تعليم الإسكندر دعا به فسأله عن مسائل في سياسة العامّة والخاصة ، فأحسن الجواب عنها - فناله بغاية المكروه « 2 » من الضرب والأذى . فسئل عن هذا الفعل ، فقال : هذا غلام يرشح للملك ، فأردت أن أذيقه طعم الظلم ليكون رادعا له عن ظلم الناس . وقال : ليكن حرصك في اجتهادك لتخليص « 3 » غيرك إذا صلح وأمكن كحرصك في اجتهادك لتخليص « 3 » نفسك ، فإن ذلك فضيلة عظيمة لنفسك وشرف لها ؛ وكلما كثر تخليصك ازددت شرفا وغبطة بذلك . وقال له رجل - وقد حدث في بداية أمره - : يا فقير ! فقال : أما فقرى فلم يجلب علىّ شرا قط ، وأما غناك فقد جلب عليك شرا كثيرا . وقال : أما بعد ! فإن حقّا على العاقل أن ينظر إلى محاسن الناس ومساوئهم وموقعها منهم في منافعها ومضارّها ، ثم يلتمس المنافع لنفسه من مثل ما نفعهم ، وينفى المضارّ عنها من مثل ما ضرهم ، فيوظف الأمور وظائفها ، ويجعل بين وظائفها حدودا تزايل بينها « 4 » ، ثم يأخذ لنفسه آلة تأديبها في إحياء ما علم من الأمور بالعمل واستجلاب ما جهل بالتعليم . ثم يكون تأديبه لنفسه في غير وقت واحد ولا معلوم ، فإنه واجد في كلّ حين من أحايينه وطبقة من طبقات الدهر التي هو « 5 » راكبها ، أو في حال من حالات نفسه التي يتحرك إليها من ضروب الجد والهزل ، والفرح والحزن ، والإقامة والظعن « 6 »

--> ( 1 ) ورد في ع ( 1 / 66 ) . ( 2 ) ع : ما كره . ( 3 - 3 ) ما بين الرقمين ناقص في ب . ( 4 ) ح ، ص : بينهما . ( 5 ) غير واضحة في ب . ( 6 ) ح ، ص : والظفر .